أقلام عالميةالتطوير المهنيجاي موريسي

لا تهدر حياتك لتحسين حياتك… (جزء1)

ساعات عملك الإضافي هل تضيف لك شيئاً غير المتاعب؟

من جد وجد. هكذا يقول كل العاملين الجدد الطامحون لأنفسهم وهم يفتتحون مسيرتهم المهنية بعهد على بذل الجهد دون حساب، وهكذا تبين إحصائيات مقلقة في الغرب تصاعداً سريعاً في معدل ساعات العمل اليومية. برنامج من التاسعة حتى الخامسة لم يعد قاعدة بل مجرد تقريب يقدم كثيرون على تكديس مزيد من الساعات فوقه.

شخصياً كنت أعمل من تلقاء نفسي ساعات إضافية كثيرة غير مأجورة لأسباب مختلفة: لتعزيز صورتي الاحترافية، لتقليص فرص الاستغناء عني، لزيادة فرصي في نيل الترقيات المحتملة، ولاكتساب احترام المديرين والزملاء. لكنني اكتشفت أن العمل ساعات إضافية دون طلب تعويض إضافي لا يحقق أياً من تلك الأهداف. بل إن هذا السلوك سيعمل ضدك وضد زملائك، لأسباب سأبينها في السطور التالية.

إن كنت أنت عاملاً مجتهداً في عملك دون حد أو كان لك أبناء فتيان يبدؤون طريقهم في بيئة العمل المكتبي فإنني أرجو منك التأني في متابعة القراءة ومناقشة الأفكار معهم. ليس هناك افتراض نظري فيما أقول، بل أنني أعرض ما تعلمته ولمسته من حقائق واقعية بنفسي لمساً مباشراً وارجو أن يتمكن كل من يقرأ هذه الكلمات من نقل التجربة إلى آخرين.

سأبدأ مناقشتي متوجهاً إلى موظفي المكاتب الشباب الجدد بسبب أنهم الأكثر تعرضاً للوقوع في عادة العمل الإضافي التطوعي.

العمل الإضافي دون حساب: والمنافسة في ميدان جديد

كثيراً ما يشعر العاملون الشباب بالاضطراب إلى صنع سمعةٍ لأنفسهم في بيئات المكاتب. تجسد التفاني والإخلاص للعمل يبينه عادة القدوم إلى العمل باكراً والمغادرة آخراً بعد مغادرة الجميع. نعم، إن هذا النوع من السلوك سيبرزك في عيون المراقبين، لكنها في أغلب ليست العيون المطلوبة وإنما عيون العاملين الآخرين من الشباب الجدد المتنافسين معك.

تحدثت مراراً مع بعض المديرين المتفاخرين بكثرة العاملين الشباب لديهم المقبلين على العمل الإضافي مقابل لا شيء، باسم التنافس. وبناءً على ما سمعته وفهمته منهم أقول لك إن كنت موظف مكتب شاباً فلا تشعر بأنك مضطر إلى المنافسة ببذل مزيد من الوقت. ستكون في حال أفضل دوماً إن كنت تنافس بالإنتاجية.

فيما بعد سأقدم لك معلومات كافية لإقناعك بعدم بذل مزيد من ساعات العمل الإضافية المجانية من تلقاء نفسك. وأما الآن فدعني أقل لك إن التنافس ببذل الوقت الإضافي المجاني يمكن أن يخرج عن السيطرة بسرعة كبيرة جداً. في شبابي كنت فتى طموحاً مستبسلاً في نيل أهدافي. كنت أصل إلى العمل قبل الجميع وكنت أقسم على المغادرة بعدهم. كنت أقبض راتباً بسيطاً، ولكنني كنت أريد إثبات إخلاصي للعمل. كنت مستأجراً مع مجموعة من الخريجين الجدد، وكل واحد منا كان منهمكاً في محاولة البروز والتميز عن الباقين. وما فعلناه في سبيل ذلك كان أقل ما يقال فيه إنه جنوني أحمق.

الساعة تقترب من السادسة مساءً. غادر الجميع إلى بيوتهم عدا بعض كبار المديرين. لكن بقي هناك أنا وبعض زملائي من الشباب الجدد مستمرين في الكفاح حتى الرمق الأخير. لم يكن هناك المزيد من العمل المحتاج إلى إنهاء، وإنما كانت تمثيلية ليس فيها شيء سوى المظاهر. تمضي عقارب الساعة إلى السابعة ثم الثامنة. ومع مغادرة آخر المديرين الكبار تبدأ البقية الباقية من الشباب الصابرين بالتفرق وكلهم يرجو أن يكون ذلك المدير قد لاحظ التزامه وتفانيه وهو خارج من المكان.

استمر هذا الأمر بضعة أشهر. الشباب الجدد أنفسهم كانوا يبقون إلى المساء كل يوم. وأما من يغادرون باكراً فلم يكونوا مرتاحين بل كانوا يشعرون بالقلق وبالأسف، ويخشون أن ينتهي بهم الأمر في ذيل قافلة المتنافسين على ظهور تحت الأضواء. في غمرة تنافسنا على الظهور كنا جميعاً نختلط في الأزمة ذاتها خلطاً. خط النهاية لم يكن يختلف عن خط البداية، وفي كل حال كانت تبدد ساعات لا تعد من أعمارنا، وقت لا يمكننا استرجاعه.

والآن عندما أستمع لأحاديث المديرين الذين كانوا يستغلون هذا التنافس لتأمين شغل رخيص فإنني أتحسر وأفزع من تذكر أنني كنت ذات يوم من هذه النفوس الشابة المسكينة. أرجوكم تعلموا من أخطائي ولا تبدؤوا مسيرتكم المهنية بداية خاطئة. إن تفعلوا فأنتم تصعبون الأمر على أنفسكم وعلى غيركم من البادئين أيضاً.

تأسيس توقعات جديدة في بداية الطريق.. لا تلتزم بتحمل ما لا تطيق

تخيل هذه الصورة: تدخل إلى مخبز الحي الصغير الذي تشغله عائلة واحدة. يباع الرغيف بدرهم. وعندما دفعت درهمين وطلبت رغيفين امتدت إليك يد أبنهم الأكبر بثلاثة أرغفة وابتسامة ترحيب كريمة. ويوماً بعد يوم استمر هذا الكرم التلقائي حتى انقضى عام كامل. وذات صباح تمر على المخبز وتدفع درهميك منتظراً ثلاثة أرغفة فلا تأخذ سوى رغيفين! ماذا جرى؟ هل كنت تتوقع شيئاً ولم يوفّ إليك؟ أشعرت بمرارة جور لحق بك؟ نعم، رغم أنك تدفع الثمن العادي المقرر للخبز لا أكثر فإنك تشعر وكأن أحدهم سلبك أو منعك جزءاً من حقك.

إن هذا السيناريو يترجم مباشرةً في حالة إقبالك على العمل ساعات إضافية فوق الساعات المقررة التي يحسب أجرك عليها. أحد أصدقائي وزملاء العمل كان يعتاد البقاء ساعتين أو ثلاثاً بعد انتهاء الدوام فلا يكاد يغادر المكتب قبل السابعة أو السابعة والنصف – ولا يحتسب أجراً عليها – واستمر على هذا المنوال بضعة أشهر. في أحد الأيام مع اقتراب عقارب الساعة من السادسة قام صديقي وأخذ يرتب مكتبه ويعد نفسه للانصراف. وقبل أن يخرج من وراء مكتبه دخل أحد المديرين وقال له: ماذا؟ هل ستغادر مبكراً اليوم؟ شرح له صديقي ظروفه وأخبره أن أبنته لديها احتفال مسائي عزيز على قلبها الصغير ولا بد من حضوره. فما كان من مديره إلا أن نظر إليه نظره استياء واستغراب كما لو أنه يطلب إذناً مرضياً لا داعي له وقال له: لست وحدك! لدى كل واحد هنا مكان يفضل أن يذهب إليه لكن إن كنت مصراً على الذهاب الآن فاذهب.

نعم! هذه قوة التوقعات المرسّخة

إن كنت مثلي عندما سمعت بهذه القصة للمرة الأولى فستبدأ بالتساؤل عن نسق الأخلاق والقيم الذي يحكم سلوك هذا المدير. لكن لا، الأمر ليس بهذه البساطة، بل ينبغي أيضاً البدء بملاحظة أننا نحن البشر جميعاً لا نستطيع النجاة من مصيدة التوقعات. مثل الطفل الذي يتوقع الهدية في يوم العيد، فإننا جميعاً نطور توقعات من وحي البيئة المحيطة بنا. وفي جانب الدفاع عن هذا المدير نقول إن زميلي قد بنى لدى المدير توقعاً جديداً خاصاً بساعات عمله، وأي شيء ينزل عن هذا التوقع المرسخ سيجعل التزامه وإخلاصه لعمله يبدو مهتزاً مشكوكاً فيه.

لا ترسم توقعات غير قابلة للتحقيق. لا في مكان عملك، ولا في حياتك الخاصة. إن كنت أنت من يتولى دفع فاتورة الغداء مع اصدقائك مرة بعد مرة فسيوجد توقع بأنك أنت من سيدفع في كل مرة. قد تكون نواياك معقولة حسنة، لكن احذر من إيجاد توقعات سترتد عليك بآثار معاكسة ولا تكاد تستطيع مواجهتها ومنعها.

الكاتب: جاي موريسي

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى